Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com












التنوع الثقافي... لبنان أنموذجاً...!! في فكر الدكتور ناصيف قزي


- 12-12-2012
أولم نَكنْ جزءاً هاماً من العالم القديم... وقد شكَّلْنا المداميك الأولى لبنائه الحضاري الإنساني؟
ألم تكن رسالاتنا السماويَّة هدياً للبشريَّة جمعاء؟
واليوم، إذ نحْيي هذا الحدث الثقافي العالمي، الذكرى العاشرة لليوم العالمي للتنوع الثقافي، دعماً وتحقيقاً، فإننا نحْيي، بذلك، تراثاً عظيماً من بحر العرب إلى المتوسط، الكبير بحضاراته وحواضره وعطاءاته... ناهيك بما كان لضفَّته الإفريقيّة ومنائرها العظيمة من مكانة في التاريخ؟
فمنظمة اليونسكو لا تحافظ على خصوصيَّات الجماعات الثقافيَّة، قل الإتنيَّة، فحسب، بل تكرِّس مبدأ الحوار والتبادل الثقافي، واستطراداً التآخي والتناغم والتكامل بين الشعوب... وهذا هو الجانب الإيجابي الذي قام عليه التاريخ ولا يزال... وهذا ما يُسقط أُحاديَّة جامدة، قل جاحدة، حاولت بعض النظريَّات إلباسها لعالم ما – بعد - انتهاء "الحرب الباردة"، تارة تحت تسمية "نهاية التاريخ"، وطوراً تحت مسمى "صدام الحضارات"، ودائما تحت شعار "العولمة" التي ليست في الحقيقة سوى تعولمٍ في اتجاه أُحادي، بل انتظامٍ في - ما - سمّي يوماً "النظام العالمي الجديد"، بأشكاله كافة، الإقتصاديَّة والسياسيَّة والثقافيَّة وما إليها... وكلّ ذلك يأتي، خلافاً لمنطوق التاريخ عينِه، الذي هو تفاعلٌ، بل تطورٌ خلّاق.

جميلٌ أن نلتقي في سبيل إعادة بناء إنساننا العربي، على قيم الحقِّ والعدل والمساواة... نحن، القادمين من أنجيل البشارة التي هبطت قبل ألفين، لينعم الآدميّون بالمحبة والسلام... ونحن، الطالعين من فرقانٍ أُنْزِل رحمة للعالمين.
جميلٌ أن نلتفي لنعيد بناء مجتمعاتنا على قيم التسامح والمحبة والرحمة والإخاء، في زمن التفلُّت من المعايير... زمنِ التحولات والإختلالات.

تعلمون أن للبنان باعاً طويلاً، ماضياً وحاضراً، في مسيرة التعايش بين الأديان والثقافات. وقد شكَّل هذا اللبنان، منذ القدم، أي منذ أن تكوَّن تباعاً مع يوحنا مارون [مؤسس الكنيسة المارونيَّة في القرن السابع للميلاد]، والإمام الأوزاعي [إمام الإنفتاح والعيش الواحد في القرن الثامن للميلاد]، والأئمَّة العامليّين، ومعهم الموحِّدون الدروز، أبناء الحكمة، أمراء الجبل... شكَّل هذا اللبنان أنموذجاً ساطعاً لمجتمع تعدّديٍّ متناغمٍ، رغم كلّ العثرات التي اعترَتْ مسيرته عبر التاريخ القديم والحديث... عثراتٍ وتبايناتٍ عرفتها كلّ المجتمعات البشريَّة على اختلافها... حتى الأُحاديَّة منها – والأمثلة على ذلك كثيرة.

لقد شكَّل لبنان واحة ثقافيَّة رائدة، تَشَارَك فيها الجميع... وإن كان لبعض أبنائه المسيحيِّين أسبقيَّةً على غيرهم في ذلك، بحكم العلاقات التاريخيَّة التي كانت تربطهم بروما، عاصمة الكثْلكة على مرّ العصور.

رغم هذا الإنفتاح الذي تجسَّد تبادلاً ثقافياً مثمراً في القرنين الماضيين، بحيث كان لبنان، ولا يزال، صلةَ وصلٍ بين شرقٍ وغرب... شكَّلت العروبة في ثقافتنا حيِّزاً هاماً، استمْلَك عقولنا والقلوب... فكانت، إلى كونها حاضنةَ الإسلام، بابَ المسيحيَّة المشرقيَّة إليه.
ولبنان التعدديّ هذا، هو أيضا واحة حرية... وقد لمس الإخوة العرب في كافة مراحل العثار التي مرَّ ويمرُ بها عالمنا العربي، وما أكثرها، أهميَّة هذا اللبنان... الذي كان ولا يزال بلد التلاقي والعيش الواحد... لبنان الرسالة الحضاريَّة التي تختصر فعل التآخي البنّاء بين المسيحيَّة والإسلام.
إلا أن تحقّق النموذج الثقافيّ اللبنانيّ في نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطي، قائم على صيغة ميثاقيَّة تعاقديَّة، لها بُعد إتنيّ عميق الجذور في التاريخ... لم يمنع وقوعنا في المحظور... فكانت حروبنا العبثيَّة التي علَّمتنا الكثير مما يجب علينا أن نجتَنِبَه، كي نصمد في وجه الأعاصير... ولا سيما منها بعضُ السياسات الدوليَّة الجائرة التي كادت أن تُسهم في تفكّك مجتمعنا عبر اللعب على بعض التناقضات البديهيَّة في المجتمع التعددي.

لقد اعترى مسيرتنا، بل عيشنا الواحد، بين المبدأ والتطبيق، خللٌ كدنا نظنُّه بُنيوياً في لحظةٍ ما... لو لم نُعْمِل العقلَ في قراءَتنا لذاتنا ولما يدور من حولنا.
قد أقول، إن هذا التعثّر الذي عرفناه هو نفسه الذي تعيشه بعض مجتمعاتنا العربيَّة اليوم، وإن بأشكالٍ وعناوين أخرى... والذي، وإن كانت له أسبابه الداخليَّة، فالعوامل الخارجيَّة أكثر تأثيراً في تأجيجه واستفحاله.
لذا، وإيماناً منا بأن التنوع هو أفضل من انعدامه، وأن الإعتراف بالآخر، يفصح، ليس فقط عن إنسانيَّة الإنسان، بل أيضاً عن حقيقة الشرائع السماويَّة،
وكي نتحصَّن في وجه تلك العوامل الخارجيَّة التي تقدّم المصالح الذاتيَّة على ما عداها من مبادئَ ومفاهيم،
لا بد لنا من التأكيد على الأمور الآتية:

أولاً، علَّمتنا التجربة أن ما يفرِّق الجماعات التي يتكوَّن منها مجتمعنا، هو أقلّ بكثيرٍ مما يجمعها. أمَّا دليلنا على ذلك فيكمن في معظم مرافق الحياة... من العادات والتقاليد إلى المعتقدات مروراً بالأدب الشعبي وغير ذلك من معطيات.

ثانياً، قد يكون جهلنا لحقيقة بعضنا بعضاً، بحيث نبني مواقفنا على معطياتٍ غالباً ما تكون خاطئة؛ قد يكون هذا الجهل سبباً رئيساً من أسباب تعثّرنا. من هنا، كان لا بد لنا من تحصين تنوّعنا الثقافيّ بسورٍ لا يهتزّ من القوانين. وهذا ما يتطلَّب باستمرار تحديثاً لتشريعاتنا ودساتيرنا، لجهة تقديم المفاهيم العامة والجامعة على العصبيَّات والتقوقع... سعياً لبلوغ حالة المواطنة، التي نرى فيها الصيغة الأمثل لتماسك المجتمع التعدديّ.

ثالثا، إن ذلك لا يكتمل فصولاً إلا بالتأسيس لنظامٍ تربويٍّ تكون في مقدِّمة أركانه التنشئة الوطنيَّة الإنسانيَّة... التي بدونها لا تكتمل صورة إنساننا الجديد.

رابعا، ما احترامنا لشرعة حقوق الإنسان إلا انعكاساً لشرائعنا عينها... إن الشرعة تلك هي الشريعة نفسها في أبهى ما تحمل من مضامين... أوليس "الناس صنفان: أخٌ لك في الدين ونظيرٌ لك في الخلق"؟

التنوع الثقافي... لبنان أنموذجاً...
أنه حالةٌ ثقافيَّةٌ رائدة، وواحة حريةٍ وسلام... في عالمٍ تناقضَتْ بعض سياساته المؤثِّرة مع منطلقاته ومبادئ ثوراته الكبرى.
وإذا لم يكن لبنان أنموذجاً... فما البديل؟
أوليس البديل عن لبنان التعدديّ... هو الأُحاديَّة المقيتة، الرابضة على صدورنا، والمتمثِّلة بالدولة العبريَّة المغتصِبة لأرضنا العربيَّة ومقدّساتنا في فلسطين السليب...!؟


د. ناصيـف قـزّي
أستاذ الفكر العربي الحديث والمعاصر والأخلاقيّات في الجامعة اللبنانيّة
عضو المكتب التنفيذي لللجنة الوطنيّة اللبنانيّة للتربية والثقافة والعلوم


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *


 


 

© 2011 jadra.gov.lb
::::: الموقع الرسمي لبلدية جدرا :::::
برمجة: المهندس خضر زهرة